TIGblogs TIG | TIGblogs GROUP TIGBLOGS LOGIN SIGNUP
Dina's blog
لنتفاوض معاً ظالمين ومظلومين - بقلم د.عبد الوهاب المسيري

لم يكن يوم 11 أيلول (سبتمبر) 1002 جزءاً من تاريخ أميركا ولا من تاريخ الفكر السياسي الإسلامي، وإنما هو جزء من تاريخ العالم. وكيف كان ذلك؟ من مفردات المعجم السياسي الغربي مصطلحات مثل الحكومة العالمية والسلام العالمي ووحدة الشعوب والعقلانية والاستنارة والتسامح. ومنذ حرب الخليج ظهر مصطلح العولمة. وأخبرنا الخبراء وأشار علينا المستشارون وعلّمنا العلماء أن العالم كله أصبح صغيراً مترابط الأطراف تنتقل فيه السلع ورؤوس الأموال والتكنولوجيا بحرية كبيرة، إذ قد حدثت ثورة اتصالات قربت أجزاء العالم بعضها من بعض، بل جعلت العالم قرية واحدة عالمية، كما يقولون. كان الخبراء والعلماء والمستشارون وفقهاء السياسة يصبون الكلام الجميل في آذاننا، لكن عيوني كانت تري شيئاً مغايراً.

فمنذ عصر نهضتها الكبري، خصوصاً منذ نهاية القرن الثامن عشر (عصر الاستنارة) والدول الأوروبية تجيش الجيوش وتنطلق في ربوع الأرض تلتهم وتستغل وتحتل وتوظف. بدأت الهجمة الامبريالية بإبادة شعوب قارات بأسرها (الاميركتين - استراليا - نيوزيلندا) ونقل عشرات الملايين من افريقيا لتسخيرهم مادة بشرية تعمل في مزارع القطن في جنوب الولايات المتحدة، ثم قامت جيوش أوروبا بعد ذلك بفتح آسيا وأفريقيا وغرس الجيوب الاستيطانية فيها، وشنت حرب الأفيون ضد الصين وحروب أخري عدة في بلاد العالم الأخري. وكانت الايديولوجية المساندة لعملية النهب والقمع هذه بسيطة غاية البساطة، واضحة تمام الوضوح: العالم مادة والإنسان موجود في الأرض ليستهلكها بنهم شديد، خلاصة في الاستهلاك، وغايته هي المنفعة واللذة. ولكن الموارد محدودة (20 في المئة من سكان العالم، أي أهل الغرب، يستهلكون 80 في المئة من مواردها الطبيعية)، انها المعادلة الرياضية الصارمة، والقوة هي المعيار الوحيد والقيمة الأوحد.

كل شيء يوظف، كل شيء مادة استعمالية. انظر علي سبيل المثال الي تاريخ مصر المحروسة، تاريخها مع الغرب أخذ شكل مواجهة عسكرية منذ بداية استنارته وحداثته: ثورة الحرية والإخاء والمساواة، ترسل لنا بجيوش نابليون - إحباط محاولة محمد علي تحديث مصر وبعض أجزاء من الدولة العثمانية - جيوش بريطانيا الديموقراطية تغزو مصر وتهزم أحمد عرابي، ممثل الشعب المصري، لتناصر الخديوي توفيق، ممثل الاستبداد - ضرب تجربة عبدالناصر الوحدوية. إني اسمع صليل سيف الرومان في قرطاجة. البواخر مخرت عرض النيل لأول مرة تحمل المدافع لا الجند، والسكك الحديد أنشئت اصلاً لنقل الجنود، وقد انشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم. هذا ما يقوله بطل رواية موسم الهجرة إلي الشمال .

وهو يقول أيضاً في ما يقول: إني اسمع قعقعة سنابك خيل أللّنبي تطأ أرض القدس، أرض القدس الغالية المقدسة الحبيبة، حينما دخلها هذا الاستعماري الصليبي المغتصب، قال: لقد عدنا يا صلاح الدين . الحرب الضروس إذاً مستمرة، يغذيها حقد ونهم لا يعرف لهما التاريخ نظير. ولنتخيل هذا الشاب الفلسطيني الجالس في قريته الآمنة عام 1882 وجاء قوم شقر قالوا إنهم يهود من موسكو فسماهم المسكوب أي الأجانب وقاومهم. فعلي رغم أنهم قالوا إنهم يعودون الي أرض أجدادهم إلا أنه كان يعرف تمام المعرفة أنهم جاءوا للاستيلاء علي أرضه هو، وفجأة تصدر أكبر قوة غربية ديموقراطية استعمارية: انكلترا، وثيقة تشير له ولكل الفلسطينيين بأنهم الجماعات غير اليهودية. وتأتي سلطات الانتداب والحضارة والتقدم بتفويض من عصبة الأمم الغربية، وتساعد الاستيطان الصهيوني وتضرب الفلسطينيين وتعلن الدولة الصهيونية (الكومنولث الثالث - الهيكل الثالث - حلم الأجداد - أرض بلا شعب - دولة يهودية ودولة اليهود)، و*سارع الغرب الديموقراطي الذي يقال إنه يفصل الدين عن الدولة الي الاعتراف بها وتأييدها ودعمها وضمان بقائها. ويتصاعد الدعم بشكل مستمر إلي أن نصل إلي مرحلة انتفاضة الأقصي حيث يستشهد الشباب الفلسطيني يومياً دفاعاً عن نصف حقوقه المشروعة، والتي صدرت بخصوصها قرارات دولية، أن ينسحب المستوطنون من الضفة الغربية وأن تؤسس دولة فلسطينية عاصمتها القدس. والغرب ساد في تأييده وفي ثرثرته عن حقوق الشعب اليهودي في العودة بعد ثلاثة آلاف عام، ويتركون الاسلحة الإسرائيلية والأميركية الصنع تدك القري الآمنة في فلسطين.

كنت أجلس في غرفتي أنظر ماذا يحدث، وأشعر بالعجز الرهيب فيموت الأطفال هنا، ويتحدثون هناك عن نقل السفارة الاميركية الي القدس وعن ضرورة وقف الإرهاب وعن مقاطعة مؤتمر ديربان لأنه يساوي بين الصهيونية والعنصرية، ويطالب بتعويض سكان القارة السوداء ونسلهم عما حاق بهم من ظلم وتدمير، هذه المادة البشرية التي نُهشت نهشاً، والتي دمر تاريخها وكيانها.

عالم ظالم هذا الذي نعيش فيه: عالم كذاب - يكثر فيه الكذابون، ويقوم الإعلام الاميركي المصقول بتطويع وتلميع كل شيء.

هل حان الوقت بدل أن نغوص في الصور والأكاذيب والتصورات الاختزالية والقوالب اللفظية، هل حان الوقت أن نجلس سوياً كلنا، ظالمين ومظلومين، أثرياء وفقراء، مسلمين ومسيحيين ويهوداً وبوذيين وهندوساً، كإنسانية مشتركة لندرس جذور العنف في عالمنا، هذا العالم الذي ينتج من أدوات الفتك والدمار أكثر مما ينتج من أدوات الانتاج والعمار؟ هذا العالم الذي يهدد التوازن البيئي بل الوجود الإنساني علي هذا الكوكب؟ هل حان الوقت أن ننظر بعين فاحصة إلي هذه التكنولوجيا المتقدمة التي صنعناها ففرضت علينا قوانينها المادية الفولاذية، فضمر الإنسان وجفت العيون، وساد الظلم وذبلت الظهور. هذا هو السؤال الذي تطرحه أحداث أيلول (سبتمبر) المأسوية علي الفكر السياسي الإنساني، بما في ذلك الفكر الإسلامي.

والله أعلم

http://www.elmessiri.com

November 19, 2005 | 7:49 PM Comments  4 comments

Tags:
You must be logged in to add tags.


Comments

ALahmedsh Ahmed
November 20, 2005 | 6:27 PM

من القواعد الثابته و السنن الدائمة في هذا الكون ان الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة, و يذل الدولة الظالمة و لو كانت مؤمنة, و لذلك قالوا ان العدل اساس الملك.

لقد رفع الغرب علينا بظلمنا لانفسنا و عدلهم و ان كان عدل باطنه فيه الظلم.

ان الغرب و رغم غزوه لاراضينا, وقتله لاولادنا و قهره لنا و ظلمه لشعوبنا الا انه كان اعدل لنا من انفسنا, و لن يمحى ذكرنا لظلم الرجل الاشقر لنا تلك الصفحات السود في التاريخ من ظلمنا لانفسنا
Zoya Dina
November 21, 2005 | 4:58 PM


بالفعل لقد كان الغرب أعدل لنا من أنفسنا فقد ظلمنا أنقسنا كثيرا بلرغم من وفرة الموارد البشرية و الطبيعية في بلادنا الغنية و المنهوبة .أليس من الؤسف ان تتراجع امة بأكملها عن دورها الحضاري في ظل غياب الهدف الأسمي و الحلم الذى يجمع و لا يفرق
ALahmedsh Ahmed
November 27, 2005 | 5:26 PM

أري في التاريخ شباب قد باع الغالي و ترك المال و الأهل و الولد لكي يقاتل في فلسطين, ثم و للأسف الشديد لا يقتله رصاصهم!!! بل رصاصنا!!!
اقرأ في التاريخ هذا المدعو بالملك و قد باع الوطن بثمن بخس, باع دماء ابنائنا مقابل شحنة أسلحة فاسدة.

إني أتفهم جدا أسباب أن يستعمرنا الغرب و يتحكم في مقدراتنا و يظلم شعوبنا و يغتصب ثرواتنا كي يرسلها إلى أبناءه هناك, لكني لا أجد مبررا إطلاقا لما يفعله فينا حكامنا!! أين الزراعة و الصناعة و التجارة و الجيش؟؟؟ لحساب من يعملون و كم يقبضون؟ و لماذا؟؟ أنى لأشعر إنهم ليسوا فقط مهملون ولكن على الإفساد حريصون!!

أري شبابا و عقولا و أفذاذا قد قتلتهم بلادهم و لم ينصفهم سوى الغرب!!
نعم إن الغرب لم يأخذهم حبا فيهم و لكن حرصا على تفوقه, و لكن أليس من العدل ان نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسبهم. فنحن من أرسلهم إلى هناك!!

أري في كل محيط صراعا و أصوتا و قتلا, أري هدما, أرى حربا!!

أري أناسا قد لهثوا وراء الغرب لا لشئ إلا لهوان أنفسهم, فهل نحاسب الغرب انه اشترى من اشتراه؟؟!!!
أري في التاريخ صفحات سود ساد سوادها ليظلم أيامنا الحالية

فكما قال الشاعر: متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبني و غيرك يهدم؟

ارجوا ألا نظلم الغرب!!!!!!
Zoya Dina
November 28, 2005 | 7:05 PM

ربما نحن أشد ظلما لأنفسنا
و لكن هذا لا يبرر سياسة الاستنذاف التي ينتهجها الغرب معنا مننذ أوائل هذا القرن و الأن أصبح يتجه نحو الاستعمار المقنع . لقد تمكن الغرب من تحقيق مطامعه في الشرق لان الطبقة الحاكمة في الدول العربية فاسدة و رجعية و لأن الشعوب بدورها نائمة أو مغيبة في ظل ظروف طاحنة سواء اقتصادية او اجتماعية. أتمني حقا أن نظلم الغرب حتي لو كان هذا من باب التغيير
Dina's Profile

Dina's Friends


Latest Posts
الاسكندرية
لنتفاوض...
wishful thinking
مجموعة...
بيرم التونسي

Monthly Archive
September 2005
October 2005
November 2005
December 2005

Change Language


Friends
abdelrahman
Ahmed
Arig Eweida
Doaa Mohamed Abd El-Salam
Injy
Pamela
Sabrine Assem
sara mohamed elbakatoshi
Suzan El Ayoubi


19452 views
Important Disclaimer